أرضية الندوة:
” كيف نتصدى لخطابات الكراهية؟ “
الأحد 26 يوليوز 2026 -الساعة 18:30
المشاركون في الندوة:
– جمال بدومة (المغرب)
– محمد الدكالي (المغرب)
– غيدا خليفة (لبنان)
– محمد عبد الوهاب رفيقي(المغرب)
– ادريس الكريني(المغرب)
– سعيد ناشيد(المغرب).

ليس خطاب الكراهية مجرد فائض في العنف اللفظي، ولا انحرافاً عارضاً في ليس خطاب الكراهية مجرد فائض في العنف اللفظي، ولا انحرافاً عارضاً في استعمال اللغة، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تمس علاقتنا بالاختلاف، وبالحقيقة، وبالعيش المشترك. إنه الخطاب الذي لا يكتفي بمخاصمة الآخر أو نقده، وإنما يعيد تشكيله في صورة تهديد، وينزع عنه أهليته للاعتراف، قبل أن يحوله إلى موضوع مشروع للإقصاء أو الاحتقار أو العنف. ومن هنا فإن السؤال عن سبل التصدي له لا يتعلق فقط بضبط الكلمات، بل بمساءلة الشروط الفكرية والسياسية والثقافية التي تجعل الكراهية قابلة للإنتاج والتداول والتطبيع.
لقد أعادت التحولات الرقمية بناء المجال العمومي على نحو جعل الانفعال أسرع من التفكير، والتصنيف أيسر من الفهم، والاستقطاب أكثر قدرة على تنظيم الجماعات من الحوار. ولم تعد الكراهية تنتشر فقط عبر خطاب صريح، بل تسري داخل الصور والرموز والنكات والتلميحات والسرديات الكبرى التي تقسم العالم إلى هويات مغلقة وخصوم دائمين. كما أسهمت الخوارزميات في منح أكثر الخطابات حدة قدرة أكبر على الظهور، حتى غدا الغضب مورداً للاقتصاد الرقمي، وصار الخوف من الآخر مادة قابلة للاستثمار السياسي والإعلامي.

غير أن مواجهة هذا الخطاب تضعنا أمام مفارقة دقيقة. فحرية التعبير لا تحتفظ بمعناها إلا حين تشمل الآراء المزعجة والصادمة والمخالفة، لكن تحويلها إلى غطاء للتحريض والوصم يفرغها من بعدها التحرري. وفي المقابل، قد تنقلب الرغبة في حماية المجتمع من الكراهية إلى سلطة لتجريم الاختلاف وتقييد النقاش العمومي. لذلك لا يكمن التحدي في الاختيار بين الحرية والمنع، بل في بناء معيار يميز بين نقد الأفكار والمؤسسات والعقائد، وبين استهداف الأشخاص والجماعات وإنكار حقوقهم وكرامتهم.
ولا تنشأ الكراهية من اللغة وحدها. إنها تجد مادتها في الذاكرة الجريحة، والخوف الاجتماعي، وأزمات الانتماء، وتراجع الثقة، واللامساواة، وتوظيف الدين والقومية والعرق والجنس في صناعة الحدود بين «نحن» و«هم». كما تتغذى من اختزال الإنسان في هوية واحدة، ومن الاعتقاد بأن الجماعات كيانات صافية وثابتة، وأن حماية الذات لا تتم إلا بإقصاء المختلف. ومن ثم فإن تفكيك خطاب الكراهية يقتضي نقد التصورات التي تمنحه معقوليته، لا الاكتفاء بإدانة نتائجه.

إن السؤال «كيف نتصدى لخطاب الكراهية؟» يستدعي التفكير في معنى المسؤولية داخل فضاء تتداخل فيه سلطة الدولة، وتأثير الإعلام، ودور المثقف، ووظيفة المدرسة، وخطاب المؤسسات الدينية، ونفوذ المنصات الرقمية. كما يقتضي البحث عن خطاب بديل لا يسقط في الوعظ الأخلاقي، ولا يواجه التعصب بتعصب مضاد، بل يعيد بناء المجال المشترك على الاعتراف المتبادل، وقبول التعدد، والقدرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى عداوة.

تفتح هذه الندوة النقاش حول الحدود الفاصلة بين الكراهية والنقد، وبين حماية الكرامة وحماية الحرية، وبين مسؤولية الفرد وبنية المجال العمومي. كما تتطلع إلى مساءلة قدرة الفكر والثقافة والقانون والتربية على مقاومة نزعات الإقصاء، وإلى البحث في إمكان تأسيس أخلاق للكلمة تجعل من الاختلاف شرطاً للحياة المشتركة، لا ذريعة لإلغائها.