يشكل موضوع الأمازيغية اليوم أحد أبرز الأوراش المجتمعية بالمغرب، ليس فقط بالنظر إلى ما تحقق من مكتسبات دستورية وقانونية ومؤسساتية، وإنما أيضا بالنظر إلى التحديات المرتبطة بتنزيل هذه المكتسبات على أرض الواقع. فمكانة اللغات لا تقاس بمجرد الاعتراف بها في النصوص الدستورية أو التشريعية، وإنما بمدى حضورها الفعلي في المدرسة والإدارة والإعلام والقضاء والفضاء العام، وبقدرتها على أن تكون لغة للإنتاج المعرفي والإبداع والتواصل والمشاركة في التنمية.

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الندوة العلمية الموسومة بـ “من الاعتراف إلى التفعيل… الأمازيغية في مواجهة خطاب الكراهية” لفتح نقاش علمي وحقوقي حول مرحلة ما بعد الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، واستحضار مختلف الرهانات المرتبطة بتفعيل طابعها الرسمي وفق ما نص عليه دستور المملكة المغربية والقانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.

لقد شكل ترسيم الأمازيغية محطة دستورية فارقة في مسار الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي الذي يميز الهوية المغربية، غير أن الانتقال من الاعتراف القانوني إلى التفعيل العملي يظل رهينا بتوفر إرادة مؤسساتية حقيقية، وسياسات عمومية منصفة، وتعبئة مجتمعية تجعل من الأمازيغية مكونا أصيلا وحاضرا في مختلف السياسات العمومية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين اللغتين الرسميتين، ويكرس مبادئ العدالة اللغوية والمجالية.

وفي المقابل، يفرض خطاب الكراهية نفسه كأحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما ينطوي عليه من نزعات الإقصاء والتمييز والتنميط والتحريض على الكراهية، وما يترتب عنه من تهديد لقيم المواطنة والعيش المشترك والسلم المجتمعي. وقد ساهمت التحولات الرقمية واتساع فضاءات التواصل الاجتماعي في انتشار هذا الخطاب بأشكال متعددة، الأمر الذي يستدعي مقاربات قانونية وثقافية وتربوية وإعلامية متكاملة لمواجهته، تقوم على ترسيخ قيم الحوار واحترام الاختلاف، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان.

ومن هذا المنظور، فإن تناول موضوع الأمازيغية في مواجهة خطاب الكراهية لا يندرج في إطار الدفاع عن لغة أو مكون ثقافي بعينه، وإنما يندرج ضمن الدفاع عن المبادئ الدستورية المؤسسة للدولة المغربية، وفي مقدمتها المساواة، والكرامة، والتعدد، وعدم التمييز، واحترام الهوية الوطنية الموحدة الغنية بتعدد روافدها. كما يهدف إلى إبراز أن حماية التنوع اللغوي والثقافي تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الديمقراطية والتنمية الثقافية وتحقيق الاندماج الاجتماعي.

وتسعى هذه الندوة إلى مقاربة هذا الموضوع من خلال زوايا متعددة تجمع بين البعدين القانوني والحقوقي، والأبعاد اللغوية والثقافية والتربوية والإعلامية، بما يسمح بتشخيص واقع تفعيل الأمازيغية، واستجلاء مختلف الإكراهات التي تعترض هذا المسار، ورصد مظاهر خطاب الكراهية المرتبطة بالهوية واللغة، واقتراح آليات عملية لتعزيز ثقافة الاعتراف المتبادل، وتحصين الفضاء العمومي من كل أشكال الإقصاء والتمييز.

كما تروم الندوة فتح فضاء للحوار الأكاديمي الرصين بين الباحثين والخبراء والفاعلين المدنيين والمؤسساتيين، بما يسهم في إنتاج أفكار وتوصيات عملية من شأنها دعم مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وتعزيز السياسات العمومية المرتبطة بها، وترسيخ قيم الاحترام والتعدد والتعايش، باعتبارها مدخلا أساسيا لبناء مجتمع ديمقراطي متماسك، يحتضن جميع مكوناته اللغوية والثقافية في إطار الوحدة الوطنية والتنوع الخلاق.